وهبة الزحيلي

98

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

بتهامة ، لها ثمر مرّ كريه الرائحة ، يكره أهل النار على تناوله ، فهم يتزقمونه . والتزقم : البلع مع الجهد والألم . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أي أنبتناها في قعر جهنم ، لتكون محنة للكافرين من أهل مكة ، إذ قالوا : كيف ذلك ، والنار تحرق الشجر ، فكيف تنبته ؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق ما يعيش في النار ، فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق ، وهناك أشياء نشاهدها اليوم غير قابلة للاحتراق . فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أي تنبت في قعر جهنم ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها . طَلْعُها ثمرها أو حملها المشبّه بطلع النخل ، وأصل الطلع : ثمر النخلة أول ظهوره ، أطلق على ثمر هذه الشجرة مجازا . كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ شبه المحسوس بالمتخيل ، وإن كان غير مرئي ، للدلالة على أن ثمرها في غاية القبح ، ونهاية البشاعة ، كتشبيه الفائق في الحسن بالملك ، وقيل : الشياطين : حيات هائلة قبيحة المنظر ، لها أعراف . فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فإن الكفار لآكلون من تلك الشجرة مع قبحها لشدة جوعهم . فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ الملء : حشو الوعاء بما لا زيادة عليه . لَشَوْباً الشوب : الخلط ، يقال : شاب الطعام أو الشراب : خلطه بشيء آخر . حَمِيمٍ ماء شديد الحرارة ، يشربونه ، فيختلط بالمأكول من شجرة الزقوم ، فيصير شوبا له . مَرْجِعَهُمْ مصيرهم . لَإِلَى الْجَحِيمِ إلى دركاتها أو إلى نفسها ، وهذا دليل على أنهم يخرجون من النار لشراب الحميم ، وأنه خارجها ، لقوله تعالى : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن 55 / 43 - 44 ] يوردون إليه ، كما تورد الإبل إلى الماء ، ثم يردون إلى الجحيم . أَلْفَوْا وجدوا . يُهْرَعُونَ يزعجون إلى اتباعهم ، ويسرعون إسراعا شديدا ، وهو تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال . والإهراع : الإسراع الشديد . وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل قومك . أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ من الأمم الماضية . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أنبياء أنذروهم من العواقب . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي مصير الكافرين من الأمم وهو العذاب . إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ إلا الذين تنبهوا بإنذارهم ، فأخلصوا دينهم للّه ، فنجوا من العذاب ، والمخلصين : بفتح اللام : هم الذين أخلصهم اللّه للعبادة والطاعة ، وبكسر اللام : هم الذين أخلصوا في العبادة . المناسبة : بعد بيان ما أعده اللّه تعالى للأبرار في جنات النعيم من مآكل ومشارب وغيرها ، ذكر تعالى ما أعده للأشرار في نار جهنم ، من أنواع المآكل والمشارب بسبب تقليدهم الآباء في الكفر باللّه وعبادة الأصنام والأوثان .